ابن عجيبة
536
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : في ذم المنافقين أو ضعفة المسلمين : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ أي : خبر عن السرايا الذين توجهوا للغزو ، من نصر وغنيمة وأمن أو خوف ، وقتل وهزيمة ، أَذاعُوا بِهِ أي : تحدثوا به ، وأشهروه ، وأرجفوا به قبل أن يصل إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأكابر الصحابة ، الذين هم أولو الأمر وأهل البصائر ، فيعرفون كيف يتحدثون به . ولو ردوا ذلك إِلَى الرَّسُولِ وأخبروه به سرا ، أو سكتوا حتى يصل إليه ، أو يردوه إِلى أُولِي الْأَمْرِ من أكابر الصحابة ، لعلمه الذين يسخرجونه إلى الناس مِنْهُمْ ، فينقلونه على وجهه ، ويعرفون كيف يتحدثون به من غير إرجاف ولا تخويف ، أو لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ وهم أولو الأمر أولا ، ثم يعلم الناس ، فلا يكون فيه إرجاف ولا سوء أدب . أو : وإذا جاءهم أمر من وحي السماء : من تخويف أو تأمين ، أذاعوا به قبل أن يظهره الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، ولو سكتوا وردوا ذلك إلى الرسول حتى يتحدث به للناس ، ويظهره أولو الأمر من أكابر أصحابه ، لعلمه الذين يستخرجون ذلك الوحي من أصله ، وهو الرسول - عليه الصلاة السلام - وأكابر أصحابه ، كما فعل عمر رضي اللّه عنه : إذ سمع أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم طلق نساءه ، فدخل عليه فقال : أطلقت نساءك ؟ قال : « لا » ، فقام على باب المسجد ، فقال : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يطلق نساءه ، فأنزل الله هذه القصة ، قال : وأنا الذي استنبطته . والله تعالى أعلم . الإشارة : قالت الحكماء : قلوب الأحرار قبور الأسرار ، وهذه الخصلة التي ذمّها الله تعالى توجد في كثير من العوام ؛ مهما سمعوا خبرا : خيرا أو شرا ، بادروا إلى إفشائه ، ولا سيما إذا سمعوه على أهل النسبة أو أهل الخصوصية ، وقد توجد في بعض الفقراء ، وهي غفلة ونوع من الفضول ، فالفقير الصادق غائب عن أخبار الزمان وأهله ، وقد ترك الناس وما هم فيه ، وقد تغلب عليه الغيبة في الله حتى تغيب عنه الأيام ، وأما الفقير الذي يتسمع الأخبار ويبحث عنها فلا نسبة له في الفقر ، إلا اسم بلا مسمى ، وقد ترى بعض الفقراء ، يبلّغ مساوئ إخوانه إلى المشايخ ، وهو سبب الطرد ، والعياذ بالله . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تبلغونى مساوئ أصحابي » « 1 » ؛ لأن ذلك يسؤوهم ، والخير كله في إدخال السرور على قلوب المشايخ . وتنسحب الآية على من يفشى أسرار الربوبية ، ويطلع الفقراء على الحقيقة ، ولو ردوا ذلك إلى شيخهم حتى يكون هو الذي يطلعهم لكان أحسن ، لأن الحقيقة إذا أخذت من الشيخ كان فيها سر كبير ، بخلاف ما إذا أخذت من غيره ، إلّا إذا كان مأذونا له في ذلك فكأنه هو . والله تعالى أعلم .
--> ( 1 ) الحديث لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وورد عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا ؛ فإني أحب أن أخرج إليكم سليم الصدر » . أخرجه أبو داود في ( الأدب ، باب رفع الحديث من المجلس ) والترمذي في ( المناقب ، باب فضل أزواج النبي ) من حديث ابن مسعود .